ابن كثير

398

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ذلك ، فإن الآية إنما دلت على أنه لا يتزوج بمن عدا اللواتي في عصمته وأنه لا يستبدل بهن غيرهن ، ولا يدل ذلك على أنه لا يطلق واحدة منهن من غير استبدال ، فاللّه أعلم ، فأما قضية سودة ففي الصحيح عن عائشة رضي اللّه تبارك وتعالى عنها وهي سبب نزول قوله تعالى : وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً [ النساء : 128 ] الآية . وأما قضية حفصة فروى أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه من طرق عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن صالح بن صالح بن حيي عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس عن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها « 1 » ، وهذا إسناد قوي . وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو كريب ، حدثنا يونس بن بكير عن الأعمش عن أبي صالح عن ابن عمر قال : دخل عمر على حفصة وهي تبكي ، فقال : ما يبكيك ؟ لعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم طلقك ، إنه قد كان طلقك مرة ثم راجعك من أجلي ، واللّه لئن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدا ، ورجاله على شرط الصحيحين . وقوله تعالى : وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ فنهاه عن الزيادة إن طلق واحدة منهن ، واستبدال غيرها بها ، إلا ما ملكت يمينه ، وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثا مناسبا ذكره هاهنا ، فقال : حدثنا إبراهيم بن نصر ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا عبد السلام بن حرب عن إسحاق بن عبد اللّه القرشي ، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال : كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل : بادلني امرأتك : وأبادلك بامراتي ، أي تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي ، فأنزل اللّه وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ قال فدخل عيينة بن حصن الفزاري على النبي صلى اللّه عليه وسلم وعنده عائشة ، فدخل بغير إذن ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأين الاستئذان ؟ » فقال : يا رسول اللّه ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت ، ثم قال : من هذه الحميراء إلى جنبك ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « هذه عائشة أم المؤمنين » قال : أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق ؟ قال « يا عيينة إن اللّه قد حرم ذلك » فلما أن خرج قالت عائشة : من هذا ؟ قال « هذا أحمق مطاع ، وإنه على ما ترين لسيد قومه » ثم قال البزار : إسحاق بن عبد اللّه لين الحديث جدا ، وإنما ذكرناه لأنا لم نحفظه إلا من هذا الوجه وبينا العلة فيه .

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الطلاق باب 38 ، والنسائي في الطلاق باب 86 ، وابن ماجة في الطلاق باب 1 .